أحمد بن محمد الشافعي الشاذلي
148
المفاخر العلية في المآثر الشاذلية
فصل في الفرق بين الخواطر اعلم أن الهاجس يعبرون به عن الخاطر الأول ، وهو الخاطر الرباني ، ويقال له الرحماني والمزعج ، ويسميه سهل السبب الأول وهو الخاطر ، فإذا تحقق في النفس سموه إرادة فإذا تردد في الثالثة سموه هما ، وفي الرابعة سموه عزما ، وعند التوجه إلى الفعل إن كان خاطر فعل سموه قصدا ، ومع الشروع في الفعل سموه نية ، وإن لم يكن خاطر فعل سموه إلهاما أو علوما وهبية أو لدنية ، فالإلهام يكون عاما فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها ( 8 ) [ الشّمس : 8 ] والوهبي واللدني خاص بالأولياء وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً [ الكهف : 65 ] والخواطر خطاب يرد على الضمائر ، فقد تكون بإلقاء الحق ، وقد تكون بإلقاء ملك ؛ وقد تكون أحاديث النفس ، وقد تكون بإلقاء الشيطان ، ويسمون الملكي إلهاما ، ويسمون الشيطان وسواسا ، والرباني يرد بالرحمة والعظمة والحكمة ، فإذا أورد بالرحمة أبقى في القلب أنسا ، وإذا أورد بالعظمة أبقى في القلب هيبة ، وإذا أورد بالحكمة أبقى في القلب سكونا ، والملكي يرد مبشرا أو منذرا أو منبها ، فإذا بشر أبقى في القلب بسطا ، وإذا أنذر أبقى في القلب قبضا ، وإذا ورد منبها ترك في القلب علما والنفساني يدعو إلى الحظ والأمنيات والشهوات . واستشعار الكبر ، والشيطان يشوق للمعاصي ويخوف من الفقر ، ويأمر بالفحشاء ، ويحض على الكفر . وفرق الجنيد رحمه اللّه بين هواجس النفس ووسواس الشيطان ، فقال إن النفس إذا طالبتك بشيء ألحت فلا تزال تعاود وتصمم ولو بعد حين حتى تصل إلى مرادها وتحصل مقصودها اللهم إلا أن يدوم صدق المجاهدة حتى تموت حظوظها وتسكن عن أغراضها فيستريح السالك من آفاتها ، وأما الشيطان إذا دعا إلى زلة فخالفته بتركها فهو يوسوس بزلة أخرى ، لأن جميع المخالفات عنده سواء . وإنما يريد أن يكون داعيا أبدا إلى زلة ما ، ولا غرض له في تخصيص ذنب دون غيره ، وكل خاطر يكون من الملك ، فإنه يأمره بالمعروف ويشوقه إلى الفضائل ، ويزين له كسب الحسنات ، ويحذره من اكتساب السيئات ، ويعلم السالك جميع ما يحتاج إليه ، وكأنه أستاذ الولي وزاجره في ضميره وليس له غرض في تخصيص فعل خير دون غيره .